بهاء الدين الجندي اليمني
428
السلوك في طبقات العلماء والملوك
عشرة ( تردارية ) وجندارية « 1 » أنزلوا عبد اللّه هذا وأخاه حسان وابنه عمران من جبلة ، فلما صاروا بالحصن في تعزّ ضرب حسان وعمران ضربا يخرج من حدّ الوصف يوما أو يومين ، والناس تتألم وهمّوا بضرب عبد اللّه فحماه اللّه منهم قهرا ، ما همّ به أحد إلا ضرب ببلاء من فوره ، وكان العدوّ الذي لهم يؤنب أمير خاندار ويلومه على ذلك ، فطلع ذات يوم وقد امتلأ غيظا ودعا بعض الخاندارية ممن يعرف جهله ووبّخه وقال له اعمل بضرب القاضي عبد اللّه ، فدخل عليه وكلّمه بسوء أدب وتهدّده بالضرب فبزقه القاضي بزقة انقطع بها شيء من أمعائه ، ووقع مغشيا عليه ، بحيث لم يبرح إلى بيته إلا محمولا ولم يزل مريضا لا ينفع نفسه بنفاعة حتى توفي مطروحا في بعض الأسواق ، ووصل حريمهم إلى بيت الفقيه أبي بكر حالين ، وفيهم بنات خاله ، فلم يفتح لهم بابه ولا قضى لهم حاجة ، وأزيل عنهم الضربة بشفاعة الحرّة ابنة أسد الدين زوجة السلطان « 2 » ، وكانت خيّرة كثيرا ما تردّه عن القبيح فأطلقوا عن الحبس وأنزلوا في المغربة وأمرت أن يجري عليهم بأدوية حتى تعافوا وأطلقوا بشرط أن يسكنوا سهفنة ، فسكنوها ورهن عبد اللّه ولده عمران وحسان ابنه محمدا وتركوا في زبيد فسكنوها من رجب ثماني وتسعين وستمائة ولبث القاضي عبد اللّه والباقون بسهفنة إلى أن توفي بها نهار رابع ذي الحجة سنة إحدى وسبعمائة ، وحضر قبرانه جمع من الجند وغيرها ، فيهم شيخنا أبو الحسن الأصبحي فأخبر الثقة أنه كان على قرية سهفنة خاصة جراد عظيم ، وليس بخارجها شيء فسأل شيخنا عن ذلك فقال ما هو ببعيد أن يكون الجراد ملائكة في حق القاضي عبد اللّه ، وكثرة إطعامه وصدقته ، ولم يزل الجراد حول البيت وحول النعش إلى أن قبر ، ثم لم يوجد منه شيء ، وبقي حسّان وابنان له إلى مدة بعد ذلك في قرية سهفنة مع أحزان وإهانة من غلمان بني محمد بن عمر ، ثم بعد وفاة الحرّة التي كانت سببا لإطلاقهم ، وذلك مستهل ذي القعدة سنة أربع وسبعمائة ، أوهم عدوّهم فيهم السلطان بما لا يليق ، وظل يوما طردا عنده ، وكان لا يتهمه بكذب ، فصدر لهم نحو خمسين فارسا ورجلا عددهم مائتان سروا إليهم وقت العشاء من تعزّ فوصلوا سهفنة سحرا وقبضوا حسان وابنيه وعبد اللّه ابن أخيه بن أبي بكر ونزلوا بهم الجند غير مقيّدين ، فأدخلوا الدهليز الذي للقصر ، وكتب السلطان بذلك ، فأمر الفقيه أبا بكر التعزي بإطلاق عبد اللّه ، لأنه كان يوالي الفقيه هو وأبوه محمد وجده أبو بكر صنو القاضيين المذكورين ، ثم قيّد حسان وابناه وأنزلا إلى سجن قد أحدث
--> ( 1 ) كانت هذه ألقابا عسكرية . ( 2 ) في « ب » زيادة « المظفر » وقد تقدّم ذكرها .